أطروحةٌ علمية أندلسية، تضمَّنت أثرَين لعالِم أندلسيٍّ مغمور من علماء القرن الثامن الهجري، له جهودٌ في علوم القرآن العظيم وما دار في فلَكها. وهذان الأثران هما: (رجز غريب القرآن) الذي درج فيه على طريقة متقدِّمي المفسِّرين ممن كانوا يمهِّدون لمؤلفاتهم بمباحث مِن علوم القرآن مما يحتاج إليه المتعلم، و(شرح الدرر اللوامع) الذي شرح فيه دررَ العلامة اللغوي ابن بري، وقد كان سَمِعه عن شيخه، وكان يتردَّد عليه لسؤاله عما أشكل ويستوضحه فيما التبَس، فجاء شرحًا ذا قيمة علمية عالية.
الكتابالترقيم الدولي ISBN987-603-8100-43-9اللغةالعربيةالتجليدكرتونينوع الورقشمواة يابانيعدد الصفحات1013المقاس17 × 24 سمعدد المجلدات2الوزن1900 جمرقم الطبعة1سنة الطبع2012
مقدمة
الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام الأتَمّان الأكملان على من قال له ربه: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ ، فبلغ رسالة ربه كما أمره جل وعلا: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، وعلم صحابته الكرام – رضوان الله عليهم – كيف يتلون الكتاب حق تلاوته امتثالا لأمر الله عز وجل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وكان من رحمة نبي الله بأمته أن طلب من رب العزة أن تقرئ أمته القرآن على أكثر من حرف، كما جاء في حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه: أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك». ثم أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك». ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك». ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا .
وهكذا تلقاه الصحابة الكرام كما أنزل وحفظوه، ثم نقلوه لمن بعدهم جيلا بعد جيل حتى وصل إلينا بالتواتر كما أنزل، محفوظا في الصدور ومدونا في الكتب، وتحقق في حفظه وعدُ الله الذي لا يخلف وعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وفي الحديث القدسي: أن الله تعالى قال للنبي ﷺ: «.. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء» ، وهذه الخصلة انفرد بها القرآن الكريم، كما في قوله سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ .
ومن باب التحدث بنعمة الله، فلقد منّ الله عليّ بحفظ كتابه العزيز منذ الصغر، وشاءت إرادة المولى – عز وجل – أن ألتحق بالتعليم الأصيل، ثم كلية أصول الدين فدار الحديث الحسنية العامرة، وقد كنت مسرورا حين سجلت في وحدة «مؤلفات القرآن والحديث في الغرب الإسلامي»، فوقع نظري على نظم «غريب القرآن» لأبي عبد الله المجاصي، فاستشرت أستاذَيّ الدكتور أحمد اليزيدي – رحمه الله – والدكتور محمد الراوندي – حفظه الله - لإبداء الرأي في العنوان التالي:
«غريب القرآن في الغرب الإسلامي، مع دراسة وتحقيق رجز أبي عبد الله المجاصي وشرحه لنظم ابن بري»، فقُبل الموضوع بهذا العنوان.
ومنذ سنوات ووقتي مخصص لهذه المادة (غريب القرآن في الغرب الإسلامي، مع تحقيق الرجز وشرح الدرر) فجمعت ما كان في المستطاع من المعلومات في هذا الشأن. ولما قضى الله بموت الأستاذ الدكتور اليزيدي، وتقدمت بطلب إعادة التسجيل لإدارة دار الحديث الحسنية، بعد موافقة الأستاذ الدكتور محمد الراوندي والأستاذ الدكتور عبد الرزاق هرماس اقترحا عليّ تعديل عنوان الموضوع ليكون كالتالي: جهود أبي عبد الله المجاصي في خدمة علوم القرآن، تحقيق نموذجين من إسهاماته: «رجز غريب القرآن وشرح الدرر اللوامع» حتى يكون أنسب، حيث إن نظم المجاصي (وهو في غريب القرآن) وشرحه على الدرر اللوامع (وهو في القراءات) كلاهما لنفس المؤلف، فكان المتعيّن أن يكون العنوان متضمنا لجهود المجاصي في خدمة علوم القرآن.
ولما بحثت في المكتبات المغربية العامة والخاصة يسر الله لي النسخ الكافية للكتابين: «غريب القرآن»، و«شرح الدرر اللوامع».
دوافع اختيار الموضوع:
أ–\tكان اطلاعي على أرجوزة المجاصي في «غريب القرآن» منذ سنوات، قبل التحاقي بدار الحديث الحسنية، فحينما كنت طالبا بكلية أصول الدين بتطوان، أهدانيها الشيخ محمد بوخبزة مشكورا، فأعجبت بها لأهميتها.
ب–\tولما أردت الإسهام في إحياء تراث بلدنا الحبيب، ولاسيما في هذا العصر الذي بات فيه الاهتمام بعلوم القرآن غريبا، كان إخراج مثل هذه الذخائر من الرفوف وتحقيقها وخدمتها من الأعمال التي يجازى عليها العبد دنيا وأخرى، إن شاء الله.
ج- \tاستكمال تكويني في بحث جانب من التراث الذي تهتم به الوحدة التي سجلت بها وهي: «مؤلفات التفسير والحديث بالغرب الإسلامي» فأسأل الله التوفيق للصواب.
الإشارة إلى أهم الصعوبات:
لا يمكن أن يكون عمل تحقيق المخطوطات – ولاسيما إذا كانت قبل المائة الثامنة للهجرة – سهلا ميسرا، إلا لمن سهله الله عليه، وهذا ما تبين لي من خلال عملي طوال السنوات الماضية (منذ سنة 1997)، فكانت الصعوبات قسمين:
قسم يمكن اعتباره أمرا عاديا كالسفر إلى أماكن بعيدة لمقابلة عالم أو تصوير مخطوط وما يتعلق بذلك من إنفاق في سبيل الله طلبا للعلم، وهذه الصعوبات تعرض لكل باحث وطالب علم.
قسم ثانٍ، سبب لديّ مشقة تحملتها مكرها لوعورتها! حتى هممت أن أتقدم للسيد المشرف بطلب التخلي عن جزء مهم من البحث، وهو ترك التحقيق لشرح الدرر اللوامع!، لكنه ألح عليّ واستصبرني حتى مرت «الأزمة» ولله الحمد، وكنت على يقين أنه «لن يغلب عسر يسرين»، وهذا نموذج من تلك الصعوبات:
أ -\tكنت أبحث عن النسخ الخطية لشرح الدرر اللوامع، فقرأت رسالة الماجستير للأستاذ حسن العزوزي فوقفت على إشارته إلى نسخة محفوظة بالخزانة العامة بالرباط برقم: 994 ق، وجزم الأستاذ بأنها موجودة وغير مرقمة تقع في 159 صفحة، فلما وقفت على الرقم إذا هو كتاب في إعراب القرآن، ولا أثر لشرح المجاصي على الدرر بالخزانة المذكورة البتة.
ب-\tذكر لي الدكتور عبد الهادي حميتو - هاتفيا – أن نسخة جيدة لكتاب «شرح الدرر اللوامع» موجودة بخزانة المرحوم السيد إبراهيم أبو درار بقرية جمعة آيت داود، بإقليم الصويرة ، وسافرت إليها في شهر يونية سنة 2002 م، وقابلت الأستاذ الفاضل السيد محمد أبو درار نجل الشيخ المرحوم صاحب الخزانة العامرة، وأحسن إليّ وأكرم وفادتي - جزاه الله خيرا - وبتنا الليلة نبحث عن النسخة (شرح المجاصي على الدرر اللوامع)، دون جدوى، وفي الصباح تذكر أن الكتاب استعاره صديق والده، وهو يعمل إماما بإحدى مساجد مدينة الصويرة، فطلبت منه السفر إليه ووافق، ولكن تبين بعد اللقاء والمحادثة مع الفقيه أن الكتاب ضاع من يده، مصرحا أنه سرق من مقصورة المسجد، ولله في خلقه شؤون!.
ج–\tولما شرعت في العمل بعد التسجيل لمدة سنة دون العثور على أية نسخة من «شرح المجاصي على الدرر» إلا تلك التي اعتمدتها أصلا أرشدني كتاب الأستاذ المنوني «مكتبة الزاوية الحمزاوية» إلى وجود نسخة بالزاوية العياشية بإقليم الرشيدية، فسافرت في طلبها على الفور.
د-\tفي جانب الدراسة تعذر عليّ الحصول على معلومات تفيد في ترجمة الشارح «المجاصي» إلا كلمات يسيرة هنا وهناك، ولم أعثر لحد كتابة هذه السطور على تاريخ وفاة المترجَم له!، هذا فضلا عن ندرة المصادر والمراجع التي تؤرخ للفترة التي عاصرها المجاصي، اللهم إلا بعض الدراسات التي تقدم بها بعض المؤرخين المعاصرين .
هـ-\tلم أعثر على بعض المصادر والمراجع التي اعتمدها المجاصي في تأليفه، وهي مهمة جدا، مثل كتاب «إيجاز البيان» للحافظ أبي عمرو الداني، وهو مختصر كتابه الكبير «جامع البيان»، مما اضطرني للنقل من هذا الأخير، وقد مكنني منه المرحوم الدكتور اليزيدي، فشرعت في العمل وفق الخطة التالية:
تمهيد، ويتضمن:
أ–\tالحديث بإيجاز عن موضوع الأطروحة بالتركيز على الجانب اللغوي.
ب–\tدوافع اختيار الموضوع والسبب الذي كان وراء اختيار «غريب القرآن» و«شرح الدرر للمجاصي» بالذات للتحقيق.
ج–\tنشأة علم «غريب القرآن».
خطة العمل
قسمت عملي في هذه الأطروحة إلى قسمين:
القسم الأول: الدراسة:
الفصل الأول: عصر أبي عبد الله المجاصي وبيئته:
\tالمبحث الأول: الحالة السياسية.
\tالمبحث الثاني: الحالة الفكرية.
\tالمبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
الفصل الثاني: حياة أبي عبد الله المجاصي وآثاره:
\tالمبحث الأول: اسمه ونسبه ونشأته.
\tالمبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه ومكانته العلمية.
\tالمبحث الثالث: جهوده في خدمة علوم القرآن ووفاته.
الفصل الثالث: دراسة كتابيه «غريب القرآن» و«شرح الدرر اللوامع».
\tالمبحث الأول: غريب القرآن لأبي عبد الله المجاصي:
\t\tالمطلب الأول: مفهوم غريب القرآن ودواعي التأليف فيه.
\t\tالمطلب الثاني: موضوع غريب القرآن للمجاصي وطريقة نظمه.
\t\tالمطلب الثالث: مصادر المجاصي ومنهجه.
\tالمبحث الثاني: شرح الدرر اللوامع:
\t\tالمطلب الأول: موضوع الكتاب والغرض من تأليفه.
\t\tالمطلب الثاني: منهج أبي عبد الله المجاصي فيه:
أ-\tتعرضه لاختلاف القراءات.
ب-\tاهتمامه بعلم النحو.
ج-\tبيانه أوجه البلاغة.
د-\tاستشهاده بالقرآن والحديث والشعر.
هـ-\tتعقباته على شيخه ابن بري.
\t\tالمطلب الثالث: مصادر المجاصي في شرح الدرر:
أ–\tكتب القراءات والتفسير.
ب–\tكتب الرسم.
القسم الثاني: التحقيق:
أولًا: كتاب رجز غريب القرآن:
1–\tنسبة الكتاب إلى المؤلف.
2–\tوصف النسخ الخطية.
3–\tمنهج التحقيق.
ثانيا: كتاب شرح الدرر اللوامع:
1–\tنسبة الكتاب إلى المؤلف.
2–\tوصف النسخ الخطية.
3–\tمنهج التحقيق.
ثم تبع هذه المقدمة تحقيق الكتابين. ثم ذيلت الأطروحة بمجموعة من الفهارس العلمية، كما بينت ذلك في منهج التحقيق.
وفي الختام أرجو الله العليّ القدير أن أكون قد وفقت لخدمة الكتابين وإخراجهما للناس في حلة تليق بمكانتهما، وأن أكون قد ساهمت بشيء من الجهد في بعث جانب من التراث الذي تهتم به الوحدة التي سجلت بها وهي: «مؤلفات التفسير والحديث بالغرب الإسلامي»، فأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يغفر الزلل والخطأ، لأنه من طبيعة الإنسان، إنه نعم المولى ونعم النصير.
التعليقات
لا توجد تعليقات حتى الآن .. قم بإضافة أول تعليق